"لماذا لا تتكلم؟ الجميع يتكلم كثيراً، ويجب أن يصمت أحد"
رواية متدربة الرئيس - الفصل 27
إستيقظت فايوليت من نومها، عكس كل يوم كانت تنهض بنشاط وتسرع في تحضير نفسها للخروج،
عكس اليوم !! بقيت مستلقية تنظر الى سقف الغرفة وعيناها حزينة،تبكي من غير دموع ، لمعان عيناها الخضراوتين منطفئات،
إستيقظت من شرودها على صوت هاتفها الذي يرن منذ فترة،
أغمضت عيناها بتعب فهي تعرف المتصل فمن غيرها آنا، فهي كل سنة بهذا اليوم تتصل عليها صباحاً تطمئن عليها،
" فايوليت، هل انتي بخير .. إنتظري لا تذهبي بدوني سأتي معك "، إنطلقت آنا بكلامها بسرعة بمجرد إن فتحت فايو الهاتف من دون إلقاء تحية الصباح عليها
،
"تمهلي، لا يوجد داعي سأذهب الى المقبرة لوحدي أحتاج الانفراد بنفسي قليلاً"،
أردفت رافضة الامر وهي تنهض من على السرير،
فالمقبرة التي تم دفن والديها بها هي مقبرة جماعية لجميع ضحايا هذا الحادث، وبما ان اليوم هو الذكرى السادسة لهم فجميع عوائل الضحايا سيتواجدون هناك بلا منازع،
نزلت فايو في حوض الاستحمام بعدما ملئته بالمياه الدافئة، إتكئت برأسها على حافة الحوض مغمضة عيناها، لتنزلق دمعة حارقة من بين جفونها على وجنتيها،
Flash back
"أبي أريد تلك الدمية "، أردفت فايو بطفولية مطلقة وهي عاقفة كلتا يداها أمام صدرها،شابكة أصابع يدها ببعض، وتنظر الى والدها بترجي،
إنطلقت صوت ضحكة جهورية من والدها ليردف قائلاً "إميرتي تطلب وانا انفذ"،
ضلت فايو تقفز في مكانها بفرح وهي تصفق بكلتا يداها تحت أنظار أخاها الساخطة من هذه المدللة وأنظار والدتها الحانية،
أتى بعد قليل والدها وهو يحمل بيده دمية كبيرة بيضاء اللون مصنوعة من القطن الخالص،
"تفضلي يا اميرتي"،
تمتم بعدما دنى الى مستوى طولها ماداً الدمية لها،
"شكراً لك أبي "، أردفت الاخرى وهي تقبله على وجنته ذات الشعيرات الشائكة،
"هيا لنعد الى المنزل "،
انهى كلامه متجهين نحو سيارتهم،
صعد الجميع الى السيارة وجلس كل من كيفن وفايوليت بجانب بعضهم
وجلست والدتها بجانب مقعد السائق الذي شغلهُ والدها،
إنطلقت سيارتهم التي تعلوا منها أصوات الاغاني
وترديدهم لها،
مستمتعين بهذا الجو الجميل المحيط بهم من مطر يطرق على نوافذ السيارة مطالباً إياهم بالدخول،
واصوات الاغاني التي إمتزجت مع صوت كيفن الذين يردد الكلمات بأستمتاع،
وفايوليت التي كان تصنع كماناً وهمياً بيدها ليبدو وكأنه تعزف في الهواء مع صوت أخيها،
بينما والديها اللذان كانت الابتسامة تشق وجوههم،
ووالدها الذي ينظر من مرآة السيارة الامامية لاطفاله المشاكسين،
غير منتبه الى تلك الشاحنة الكبيرة التي إنفجرت إحدى إطارتها قاطعة الطريق على السيارات من المرور
خرجت صرخة مذعورة من والدتها وهي تمسك بمقود السيارة بذعر،
" عزيزييي ... أنتبه..."
وهذا كان آخر شيئ قد إلتقطته فايوليت قبل إرتطام رأسها وإغماءها
بعد مرور فترة إستيقظت فايوليت على العديد من الاصوات لكنها كانت مشوشة نوعاً ما ولا تستطيع تحديدها،
أرادت تحريك رأسها لكنها لم تستطع فعل ذلك،بسبب الالم الذي داهمها،
مررت ببصرها حولهم، للتتسع عيناها بصدمة
من ألمنظر المريع الذي تراه،
فكان والدها متكئ برأسه على الوسادة الهوائية البيضاء التي تحولت الى اللون الاحمر بسبب دمائه التي صارت تغطيها،
ووالدتها المتكئة على الباب الذي بجانبها،
أما كيفن المرمي بأهمال بين أحظانها،وهناك جروح واضحة تملئ رأسه،
دميتها القطنية التي كانت واقعة بجانب قدمها وكستها دمائهم واصبحت حمراء بعد إن كانت بيضاء،
ولا ننسى زجاج السيارة المتحطم والمغروز بأجسادهم، والمطر الذي أصبح دخيلاً مبللاً شعرها، وجبينها الذي تتقطر الدماء منه،
هلعت رعباً لتردد في سرها إن هذا مجرد كابوس وستستيقظ وتجدهم بجانبها
آخر ما التقطته إذنيها هو صوت سيارات الاسعاف وصوت هطول المطر بغزارة كأن السماء تبكي عزاءاً على حالهم .
End flash back
فتحت فايو عيناها بأرهاق لتتجه نحو خزانتها،ملتقطة منها فستان باللون الاسود، متوجهة الى تلك المقبرة التي إحتظنت أجسادهم،
لم يكن حال كل من اليخاندرو وسايمون بخير،
فهم ايضاً إستيقظوا بخمول، آخذين إجازة من أعمالهم،متجهين لذات الوجهة،
عند اليخاندرو الذي كان واقفاً في تلك المقبرة الصغيرة التي لم بناءها على عدد الضحايا فقط،
ماسكاً بيديه الورد الابيض المفضل لدى والدته،
جلس جلسة القرفصاء مرتكزاً على قدميه،ماداً ذراعيه واضعاً باقة الورد فوق قبرها ،
ظل العديد من الناس يتوافدون الى مكان موتاهم وكل منهم يقف امام قبره ذويه،
دلف بعد ذلك سايمون وهو بحاله مزرية ليس وكأنه قادم لمقابلة والدته، فكان ربطة عنقة غير مربوطة وأزرار قميصه الاولى مفتوحة، وشعره المبعثر وعيناه المتعبة،رفع بصره من على الارض ليجذب نظره اليخاندرو وهو جالس امام قبر والدته،
إتسعت عيناه بصدمة فلم يتوقع رؤيته بهذا المكان !
لكن سرعان ما إستوعب بأنه هو الاخر قد فقد شخص ما،
" فلترقد بسلام "، إقترب منه وهو يهيمن عليه بطوله، جذب كلامه إنتباه اليخاندرو ،ليرفع بنظره الى الاعلى، لكن الشمس حجبت رؤيته كونه يقف امام قرص الشمس،
إستقام الاخر بطوله،لتتضح عنده الرؤية،
إبتسم بخفة مربتاً على كتفه " ولوالدتك أيضاً"،
قاطع كلامهم دخول فايوليت بملامحها الشاحبة من البوابة، لكن توقفت في منتصف الطريق عندما وقفت أمامهم والدهشة تعتريها،
حسناً سايمون متوقع وجوده لكن اليخاندرو ؟!!
اومئت لهم من بعيد محيية إياهم، عاكسة إتجاهها نحو قبور والديها وهي تحمل باقة ورد مختلط بين الاصفر والابيض المفضل لديهم،
ها هم ضحايا الحادث يجتمعون مرة إخرى بنفس المكان، وكأن القدر يسخر منهم بجعلهم يتقابلون مراراً وتكراراً بنفس اليوم
سار الثلاث ببطئ معاً وكلاً منهم صامت ويفكر بما يشغل تفكيره، ليقطع هذا الصمت صوت سايمون وهو يردف قائلا
" دعونا نثمل "، توقفت فايو عن السير وهي توجه بصرها نحوه،وقف الاخرين على أثرها،
"أنا اعرف مكاناً هادئ "، تمتمت بخفوت وهي تنقل ببصرها بينهم،
اومئ لها اليخاندرو ببساطة فهو الاخر يود ان يثمل لينسى، فليطلق العنان لنفسه اليوم،
توجه الاثنين نحو سيارتهم لكن توقفوا حالما سمعوا كلام فايو "المكان قريب،لا داعي الى السيارة"،
بعد مرور فترة وصل الثلاثة الى ذلك البار الصغير ذو المستوى المتوسط لكن هادئ جداً وذو ترتيب جميل مريح للبصر وكأنه من العصر الفكتوري القديم،
توسط البار طاولات صغيرة تحتوي على اربعة مقاعد،
جلسوا جميعاً على طاولة بعيداً نسبياً عن باب الخروج،
" أريد أقوى مشروب لديك"، أردف اليخاندرو ببرود، ليكمل كلامه للاثنان اللذان ينظران له بأستغراب،
"ماذا ؟ انا لا أثمل بسهولة واحتاج لمشروباً قوياً"، لم يعلق الاخرين على كلامه ،
أتت النادلة وهي تضع الكؤوس امامهم ويتوسط الطاولة ثلاث زجاجات من المشروب،
إلتقط كل منهم زجاجه ليبدوأ بسكبه في كؤوسهم،
بعد فترة اول من ثمل كان سايمون الذي ملئ المكان بصوت ضحكاته الهستيرية لكن الغريب إن عيناه تذرفان الدموع بقوة، الذي سينظر له من بعيد سيقول إنه يبكي بسبب الضحك الهستيري لا بسبب حزنه !!
" لم... يكنْ ... علي الخروج... في ذلك اليوم... اللعين، لم يكن.. علي .. سياقة السيييارة "،
انهى كلامه صارخاً وهو يضرب الطاولة بقبضة يده جاعلاً من فايوليت تفزع هي الاخرى ،
بينما اليخاندرو الذي لم يثمل الى الان ويستمع له بهدوء،
" دعونا نعود، لقد شربتم... بما فيه الكفاية "،
أردف اليخاندرو وهو ينهض من كرسيه، لكن تراجع عدة خطوات الى الخلف حالما إستقام ،
وقف قليلاً وهو يمسح وجهه بيده،
وقفت فايوليت من مقعدها لتسير أمامهم وهي تترنح،
سار الثلاث وهم ثملين بأستثناء اليخاندرو، في ذلك الطريق المظلم ذو الانارات الخافتة وينعدم فيه نسبة المارة نسبياً،
"وااه ...اليخاندرو، تمتلك.. العديد من.. العظلات اللعينة" أردف سايمون بثمالة وهو يحتظن اليخاندرو من الخلف متلمساً عظلات بطن الاخر الذي كان منزعجاً منه حد اللعنة،
" توقف واللعنة .. انا ايضا اعاني هنا "،صرخ به هادراً وهو يدفعه بقوة عنه ليسقط أرضاً، مستلقياً على الارض وهو يضحك،
" اكثر شي... كرهته .. إن الحكومة .. عوضتنا بالاموال .. مقابل أرواحهم"،أردفت فايو بخفوت وهي تؤشر بيديها في كل الاتجاهات، إستدارت لهم لتكمل طريقها سائرة عكسياً وهي تترنح مكملة كلامها
" لكن انا .. كنت تحت السن.. القانوني.. لقد تم إجباري على ... أخذ ذلك المال... اللعين منهم "،
جذب كلامها إنتباه الاثنين اليها كونها بدأت واخيراً في التحدث، أثناء سيرها العكسي تعثرت بحجارة لتقع جاثية على الارض،
تقدم منها اليخاندرو،نازلاً الى مستواها واضعاً معطفه على اكتافها،مربتاً على شعرها،
"اليخاندرووو، إحملني "، قاطع سلسلة تواصلهم البصري كلام سايمون وهو يصرخ باندرو لحمله،
أغمض الاخر عيناه بغضب جازاً على أسنانه وهو يتخيل الالاف السيناريوهات لقتله،
" لكن .. أتعلمون " جذب إنتباههم كلامها مرة أخرى وهي تكمل
" هؤلاء الفاسدون... يقايضون أرواح... الناس بالاموال"
إبتلعت ريقها وهي تأخذ نفساً قوياً لتكمل وهي تنظر الى وجه اليخاندرو القريب من وجهها وهم جالسين على الطريق
" أود.. خنقهم حتى.. الموت "
أنهت كلامها بخفوت، لاحظ اليخاندرو هدوء الغبي الاخر ويبدو إنه قد نام على قارعة الطريق،
إقترب اليخاندرو بوجهه أكثر من فايوليت ويبدو إن الثمالة قد أثرت على مشاعره،
دنى برأسه اليها قليلاً لتضرب أنفاسه الحارة خدها وجانب من شفتيها، كان نظره مركز على تلك الكرزتين المحمرتين،
قرع قلبه بقوة داخل صدره يحثه على اكمال طريقه نحو شفتيها، سحبها من كتفيها بقوة عندما أراد إطباق شفتيه الغليضتين على شفتيها لكن توقف عن بعد إنش واحد عندما سُلط عليهم ضوء قوي قادم من الاضواء الامامية للسيارة، مضيئاً البقعة الجالسين عليها، ليخرج من السيارة رجلاً كبيراً في السن
" هل تحتاجون الى مساعدة ؟"،أردف وهو يوزع بأنظاره المستغربة الى سايمون الذي ينام في منتصف الشارع
وفايوليت التي رمت بثقل رأسها على كتف اليخاندرو .
يتبع ..
