"نحن الدفّانون.. نملئ القبر بالرّمل، والعين بالدمع، والفم بالاسمنت، والقلب بالوهم، والجرح بالملح، ندفُننا ونمضي.."
رواية قاع الظلام - الفصل 32
" أرجوك فلنعد مجدداً الى ذلك المكان"، اردفت ڤيولا متعلقة بذراع أثانيوس بوجهه المتجهم فبعد تجاهلها لهُ قرر إعادتها وعدم العودة الى هناك مجدداً، نفض ذراعه من يدها من دون أن يكلمها بوجهه المتجهم غضباً ،لتصرخ الاخرى من خلفه " أثانيوس.. أرجوك "، اردفت راكضة خلفه فهي تتوسل بهِ هكذا منذ عودتهم الى الان لا يعلم منذ متى أصبحت مشاغبة هكذا !! هل كانت هكذا من قبل أم لم تعد تهابه لتخرج شخصيتها الطفولية !!
....
في مكانٌ آخر حيث يوروتاس الذي كان يجلس كعادته فوق إحدى الاغصان الضخمة التي تنتمي لشجرة مُعمرة بلغ عليها الدهر ولكنها بقيت شامخة
بينما يأكل الموز وهو ينظر الى النهر البعيد نسبياً من الغابة مُستمتعٌ بأصوات تضارب أمواج المياه الصغيرة ببعضها البعض المتخلله بأصوات الطيور
والحيوانات التي في الغابة
جذب مسامعه صوت شخصٌ يُهمهم بلحنٍ ما
نظر الى الاسفل ليتوقف عن المضغ حالما رأى ذات الفتاة من يوم أمس
قلب عيناه بملل لهذه العلكة التي لا تأبى الرحيل
فلماذا تستمر بالقدوم الى هنا ؟ هذا المكان خطير جداً لفتاة صغيرة مثلها
تابعها بعيناه وهي تسير ناقلة بصرها في جميع الاتجاهات وما جعله يطمئن كون الغصن الذي يجلس عليه محاط بأوراق الشجر مكونٌ مظلة لهُ
وضعت الفتاة كلتا يداها على جانبي فمها لتصرخ بصوتٌ عالٍ إستغرب منهُ الاخر
" أنا أعلم بوجود شخصٌ هنا ،أين أنت؟ فلتخرج" ،
لم يجبها أحد بل فقط تردد صدى صوتها في الارجاء
جاعلاً منها تزفر بحنق فهي متأكدة من وجود أحدهم هنا
فهي قد رأت تلك اليدان الالتي إلتفتا حول خصرها مانعات إياها من السقوط ،وما ثار إستغرابها إختفاءه السريع وكأنه يعيش هنا منذ الازل
تأفأف يوروتاس بأنزعاج فلماذا عليها أن تقطع خلوته ووقت راحته !! يا لها من فتاة مزعجة.
...
يقف كلاً من أثانيوس و ڤيولا بجانب بعضهما البعض مقابلين لبوسايدن الذي يحتضن هاڤين من خصرها بذراعه
حيث كلاً من الحاكمين ينظران لبعضهما بملامح مغارية للاخر ،أثانيوس الذي ينظر لهُ ببرود كعادته بينما قابله الاخر بأبتسامة واسعة على وجهه
وما أثار إستغرابها هو إنتفاخ بطن هاڤين قليلاً
" كيف حالكم ؟ " ، تسائل بوسايدن ناقلاً بصره بين الاثنين ، متجاهلاً وجه أثانيوس المملوء بالكدمات
فهو أكثر من يعلم بأن لا أحد يستطيع الوصول الى الحكام غير الحكام أنفسهم .
" تأخرت يومان ونصف" ،
أجابه أثانيوس ببرود لاعقاً شفته السفلية ليقهقه بوسايدن قائلاً بمرح مشدداً على حظن موعودته
" بقيت مع زوجتي قليلاً.. إنها حامل بوريثي "،
إحمر وجه الاخرى لتخفض رأسها سامحة لستائر شعرها بالنزول أمام وجهها ليقهقه بوسايدن على ردة فعلها
فهو أول من أكتشف حملها لسماعه صوت موجات وترددات خفيفة داخلها ، ولكونه حاكمٌ على البحار ويعيش داخل المحيطات قوته تسمح لهُ بسماع أوطئ الاصوات من خلال الموجات الصوتية التي تنتقل عبر المياه
" مبارك لكِ "، اردفت ڤيولا بأبتسامة صغيرة لتومئ لها الاخرى بخجل يتخلله بعض الفرح
" أيتها السمكة لقد إنتهى وقت المرح واللعب حان وقت الجد، ألا توافقني الرأي !"، إختفت إبتسامة بوسادين ليحل محلها الجمود لنعته بالسمكة أمام موعودته
فهذا اللقب أطلقه عليه هيفيستيوس بأحدى لقائاتهم ليصبح الجميع يناديه بهذا اللقب
" اوه أثانيوس... لابد وإنك خرجت من قتالٌ شرس لتوك، لن تود الدخول بأخر ،صحيح ؟"،
تغيرت نبرة صوته مئة وثمانون درجة عما كانت عليه من قبل
وكأنه تم إستبداله بأحدٌ آخر ،
تشبتت الاخرى بذراع أثانيوس مانعة إياه من الرد فخوضه لقتالين متتالين سيخفض من طاقته الروحية وسيخسر بكل تأكيد
" عزيزي إهدئ قليلاً" ،
مسحت هاڤين على ظهره براحة يدها ليدير رأسه ناحيتها مبتسمٌ بخفة ليقبل جانب رأسها
" للعمل ؟"، تسائل بوسايدن بعدما ترك موعودته ليهز الاخر رأسه ليعيد ادراجه الى الخلف نحو بقية الحكام قلب الاخر عيناه بملل ليتبعه بصمت
وقفت كلاً من هاڤين وڤيولا أمام بعضهنْ غير عالمات بكيفية فتح موضوعٌ ما لابعاد الخجل والتوتر
" مبارك لحملك.. كم تبقى لكِ لتضعيه ؟"،
شقت الابتسامة وجه الاخرى ليضيء وجهها كالاطفال في رأس السنة لتشير بأصابعها
" بضعة أسابيع، ربما ثلاث "،
إتسعت مقلتيها بتفاجئ فلم يدم على إيجاد بوسادين لموعودته سوى شهران كيف ستضع رضيعها ببضع أسابيع !!
فهمت الاخرى ما يجول داخل رأسها من تسائلات لتردف بينما أخذن يتمشنْ ببطئ في الرواق
" لا أعلم المدة التي تلد فيها المرأة لديكم ،ولكن
هنا نلد بشهر ونصف تقريباً... حتى إن الاعمار تختلف فالسنة الواحدة لديكم بمقدار سنتين ونصف لدينا "،
أنهت كلامها راسمة اوسع إبتسامة على وجهها
تمعنت الاخرى في وجهها فهي الاجمل من بين جميع الموعودات لطالما سمعت القصص والروايات وحتى الشعراء يتغنون بجمال الحوريات ولكن لم تظنهم بهذا الجمال !!
ولطالما كاننْ عرضة للمخاطر لاستفادة التجار منهنْ
فدموعهن غالية الثمن ، جمالهنْ لا يُقاس ، بأجساد قوية خُلقت لتُجابه عالمٌ شرس وغامض كالبحار
" لدينا المرأة تضع رضيعها بتسعة أشهر "،
توقف هاڤين عن السير بفاهٌ مفروج بأتساع
" يا لها من مدة طويلة إستطيع إنجاب خمسة أطفال فيها"،
قهقهت ڤيولا على ردة فعلها لتمحو الاستغراب من وجهها فالمدة التي إنسجم بها كلاً منها وبوسادين كانت قصيرة جداً ولكن لن تستغرب فبوسادين ذو روحٌ مرحة لن يكون من الصعب عليه الحصول على قلبها بسرعة
" لابد وإن بوسايدن الاعقل هنا"،
تمتمت بشرود من دون أن تلاحظ إنها قالت أفكارها بصوتٍ عالٍ ، ضحكت الاخرى لتردف قائلة
" كلا ، إنه مثلهم تماماً ولكن الفرق إنه يحسن تعاملي"، بادلتها ڤيولا الابتسامة بحرج
...
" سيبقى هنا ، لا نعلم ماذا يريد والده الى الان"
،
نظر هيفيستيوس الى الجميع محاولاً فهم ما سيقرروه أم إنهم سيأخذون برأيه
" يجب عليه ذلك ،ففي جميع الاحوال لا نعلم ما بخطط إليه كراجوس ،وسيكون من السيء مغادرته المملكة" ،
ردت نيوبي موافقة على رأي هيفيستيوس
" القول أسهل من الفعل" ،
أردف بوسادين ناقلٌ بصره بين الاربعة... الاربعة !!
" أين هيدز ؟" ،
نظر كلاً من نيوبي وهيفيستيوس الى أثانيوس
ليحول الاخر بصره اليه أيضا قائلاً
" ماذا حدث ؟!"،
زفر أثانيوس بملل فهذا الاسم بات يتكرر كثيراً والامر مزعجٌ جداً بالنسبة إليه " خضنا نزالٍ "،
هز بوسادين رأسه بعدم فهم فحتى لو خاضوا نزالاً فأين هو الان !!؟ فبضع كدمات أو كسور لن تمنعه من السير
هو أكثر من يعرف الصخرة المتحركة فهو ذو رأس عنيد
دعك أثانيوس صدغه ليعود بذاكرته الى الخلف قليلاً
Flash back
يقف كلاً منهما يلهثان بوجههما الممتلئ بالكدمات
بينما يتكئ أثانيوس على صولجانه بتعب فقتاله مع كراجوس سلب طاقته وها هو الان يقاتل حاكمٌ آخر
" لن تستطيع دحري بهذا... الجسد المتعب"،
ضحك هيدز من بين لهاثه ليلوح بمطرقته الضخمة بيده رامُيٌ إياها على أثانيوس الذي إلتقطها بيده بسرعة
لا ينكر الالم الذي شعر بهِ بيده يكاد يقسم بأنه شعر بتمزق أنسجة أصابعه ولكن هزيمة هيدز تكمن في مطرقته
فأن لم تكفِ قوة جسدك لهزيمة عدوك فأستخدم عقلك لفعل ذلك، غير ذلك فستكون فاشلٌ .
" ودع مطرقتك الغبية" ،
انهى كلامه ليرمي مطرقته بسرعة في النهر المجاور لهم ،
فرج هيدز شفتاه بغضب وتفاجئ لما حدث الان !
فعدو هيدز الماء فهو لا يعوم بسبب جسده الثقيل
فالامر أشبه برمي صخرة ضخمة داخل المياه
لن تستطيع السباحة أو حتى العوم
وأيضاً يعلم بكبرياء وعجرفة الحُكام في طلب المساعدة من الاخرين ، وكأن في الامر إهانة لهم
فأخر شيء سيفعله هو طلب المساعدة ، يفضل أن يموت غرقاً على إن يطلب يد العون
End Flashback
قهقهة بوسايدن بصخب ليضع يده على فمه بعدم تصديق فهذه طريقة أثانيوس في القتال إذا لم يعنهُ جسده في القتال فسيستخدم عقله حتى وإن كانت الفكرة سخيفة
" أهنئك على.. هذه الفكرة" ،
اردف من بين ضحكته تزامناً مع دخول هيدز الى قاعة الاجتماعات بوجهه المملوء بالخدوش والكدمات
حتى هنالك خدشٌ كبير وواضح على طول فكه
جراء إصطدام الصولجان بفكه ،
" لعينٌ وغد.." ،
اردف بغضب متجهٌ ناحية أثانيوس الذي كان مُسترخيٌ على الكرسي
وقف هيفيستيوس امام الاخر مانعٌ إياه من التقدم أكثر
" على رسلك يا رجل ، لا يمكنك خوض قتالٌ هنا"،
همهم أثانيوس ناظراً الى الاخر ببرود وعجرفة
" الخسارة تبقى خسارة.. وتهجمك الان لن يحدث فرقٍ سوى إنك تثبت خسارتك على نفسك أكثر"،
انهى كلامه مُبتسمٍ بعجرفة ليزمجر هيدز بغضب
" أجلس في مكانك" ،
قالت نيوبي ببرودها المعتاد موجهة حديثها الى هيدز الذي جلس على كرسيه بنظره المسلط على أثانيوس وكأنه يحاول إيجاد طريقة لدهس جسده تحت صخرة ما
.
.
إستمر الاجتماع فترة طويلة بسبب جدالاتهم ونقاشاتهم بأمر كراجوس فبعضٌ منهم إستقر رأيه على أن يقوموا بأخراجه وإبقاءه في مملكة الظلام والبعض الاخر رفض ذلك رفض تاماً كونهم لا يعرفون ما يفكر بهِ
لينتهي الاجتماع بقرار إلافراج عنهُ ولكن سيقى تحت الرقابة ،أي إنه سيمكث في مملكة الظلام حتى يجدوا حلاً لوالده الجشع الذي غلب الجشع وحب السلطة على روحه القذرة
" أقسم إنكم سترمونا في الهاوية بسبب قراركم هذا" ، اردف هيدز بسخط فهو المعارض الوحيد لهذا القرار، فشخصٌ ككراجوس لن يستطيع أحد فهمه
فهو وغدٌ يستطيع التلاعب بعقول الناس وشهد الحكام الثلاث على ذلك عندما كانوا في الزنزانة معهُ
فلو لا نيوبي لما خرجوا من حقل السيطرة خاصته
...
وقف الجميع أمام الزنزانة ليرفع كراجوس رأسه إليهم قالبٌ عيناه بملل من تجمهرهم المعتاد فوق رأسه وكأنه حيوانٌ في متنزهٌ ما
دلف هيفيسيتوس فاتحٌ القفل ليقول
" سنقوم بأطلاق سراحك ولكن ستبقى في هذه المملكة ، لن تهرب ولن تقوم بأحدى ألاعيبك"،
همهم له الاخر بلامبالاة فما الفرق بين الزنزانة والمملكة
فهو سيبقى مراقب تحت أعين خمسة من الحكام
نهض على أقدامه بصعوبة مُدلكٌ معصم يده بسبب الاغلال التي كانت مُلتفة حولها
" حاول الهروب وسأدق عنقك بقبضتي"،
اردف هيدز مُحذراً إياه هو الاخر نقل كراجوس رأسه يميناً ويساراً في تلك الارواقة الطويلة والراقية بتصاميمها الجميلة
ليحول بصره الى الامام ليجد أثانيوس ينظر له بتوجس هز رأسه له بعدم فهم قائلاً
" ماذا ؟، ألا أستطيع تحريك رأسي أيضاً؟" ،
مسح بوسادين كف يده على وجهه فعلى ما يبدو بأن هذه المرحلة ستكون مزعجة فلو لا قدوم موعودته معهُ لما بقيَ هنا
خرجت ڤيولا و هاڤين من إحدى الاروقة لتتقاطع طرقهم معاً ، نقلت بصرها من بينهم لتتسع حدقتيها بخوف وعدم فهم حالما رأت كراجوس يسير معهم
إنتبه لها الاخر ليبتسم بأتساع وكم بدت لها هذه الابتسامة مرعبة !
" أوه ،عازفة القيثارة أظني سأراكِ ك.."،
قطع كلامه عندما أمسكه أثانيوس من تلاليب قميصه محذراً إياه
" تجرأ فقط"،تبادل الاثنين نظراتهم من بين نظرات حارقة محذرة ونظراتٌ مستمتعة وساخرة
دفعه الى الخلف بقوة ليهمهم كراجوس ناقلاً بصره مرة اخرى في جميع الاتجاهات ،
بينما الخدم الذي كانوا يمرون من جانبهم بسرعة خوفاً من إصطدامهم بهم
فتجمع جميع الحكام في مكانُ واحد لشيء نادر
أسرعت الخادمتين حاملات صينية من الحلوى في أيديهنْ متفاديات النظر إليهم بنكس رؤوسهنْ الى الاسفل
إرتفعت زاوية فم كراجوس بأبتسامة لا تُرى ،
لينطلق بلمح البصر ساحبٍ الصينية من يد الخادمة ضاربٌ بها هيفيستيوس كونهُ ألاقرب إليه من البقية في المسافة
زمجر هيفيسيتوس بغضب مُمسكٌ بأنفه الذي أصبح ينزف ، هرول كراجوس مُطيحٍ بالجميع من أمامه
ليقف امامه أحد المحاربين شارهاً سلاحه في وجهه
ليضع يده على رأس المحارب مُستعملاً قواه لاطاحته
سقط الحارس على الارض بعينين جاحضتين بخوف وكأنهُ يرى فلم رعبٌ أمامه
ليخرج حارسين من الاروقة شارهين بأسلحتهم بوجه الحكام " سحقاً للخونة"، اردف بوسادين متجهٌ ناحيتهم
ليمسك بأحداهم غارزاً سكينه في رقبته مباشرة ليفعل المثل في الاخر ،تطايرت الدماء عليه بسبب قتله لهم عن طريق الشريان الذي في رقابهم
عقف ملامحه بتقزز لاعناً كراجوس فهو الان قد إتسخ
لعن أثانيوس في سره فهو لن يتحرك بسبب جسده المتعب أثر القتالات المستمرة مع الحكام
إنطلق هيدز من خلفه مع نيوبي التي قطعت طريقه ببناء سد ثلجي
...
" هذا لكي لا تهرب مرة اخرى"،
اردفت نيوبي بعدما وضعت طوقٌ فضي حول رقبته
فأذا هرب سيصعقه حتى الموت،
" فهمت هذا "،
زم هيدز شفتيه براحة فهو قد إستطاع طبع قبضته على فك الاخر ، بينما أثانيوس الذي كان يجلس بلامبالاة على الكرسي
وهيفيستيوس الذي كان يقف بجانب النافذة متكئاً على الجدار الذي خلفه وتقف روديا أمامه محاولة إيقاف نزيف أنفه
" غبي ،لماذا ترخي دفاعاتك هكذا"،
اردفت بسخط ضاغطة بالقماش على أنفه في محاولة منها لايقاف النزيف ،ليبتسم هيفيستيوس بعبث " لماذا ؟، هل أنتِ قلقة علي!"،
وجهت الاخرى ضربه له على صدغه ،
" في أحلامك أيها الوغد"، همهم لها متمعناً في ملامحها الجذابة عن قرب فكم مضى على إقترابهم بهذه الطريقة !
لف ذراعيه حول خصرها مقرباً إياها منهُ ليضع رأسه في عنقها قائلاً بتعب من علاقتهم المتشتتة بسبب غباءه
" أنت تعلمين بأني آسفٌ ،دعينا نتخطى الامر،
أعلم بأني مسخٌ ووغد ولكن إشتقت إليكِ"،
وضعت الاخرى كلتا يداها على صدره مبعدة إياه
" عالج نفسك بنفسك"،زفر أنفاسه بحزن وهو يراها تبتعد عنه متجهة نحو الخارج
...
جلس أثانيوس بتعب في مكتبه لاكمال أعمال المملكة المتراكمة عليه ليدلف كلاديوس قائلاً
" أتت الوالية على إحدى مقاطعاتنا وتود رؤيتك"،
زفر الاخر بتعب داعكٌ صدغه ليشير لهُ لادخالها
خرج كلاديوس سامحٌ لها بالدخول
لتدلف فتاةٌ شابة بفتسانٌ أنيق مصنوعٌ من أرقى أنواع الأقمشة وقبعة سوداء صغيرة على رأسها
" صباح الخير ،سموك"، همهم لها الاخر مشيراً لها بالجلوس على الكرسي المقابل لهُ
" ما سبب زيارتك المفاجئة ،آنيا"،
إبتسمت الاخرى بخفة لتبدأ بسرد المشكلة التي يعاني منها القطاع المسؤولة عنهم
" لاحظت في الفترة الاخيرة ضعف التجارة عبر الموانئ ولكني تجاهلت الامر لعل الامور تعود طبيعية ولكن زاد الامر عن حده في الآونة الاخيرة.."،
صمتت قليلاً ناظرة الى وجهه لعلها ترى تعبيراً واحد على وجهه ولكن عبثاً فلم يتغير منذ قدومها الى الان
لتكمل كلامها
" بعدما زرت الموانئ لاحظت إستغلال التجار للبضاعة بنقلها بأسعار أعلى من سابقها مما قلل حركة السفن"،
هز أثانيوس رأسه بعدم رضى قائلاً
" ألا تعلمين كيف تحلين مشكلة صغيرة كهذه !"،
نفت آنسا برأسها موضحة إليه أكثر
" الامر ليس هكذا، هؤلاء التجار غريبين... ليس من هذه المملكة ويحملون أسلحة في ملابسهم.. الامر أشبه بعصابة صغيرة" ،
فتح فاهه ليرد عليها ولكن قُطع بفتح الباب لتدلف ڤيولا بأبتسامتها الواسعة ،إنمحت إبتسامتها تدريجياً حالما وقع بصرها على المرأة التي تجلس أمام أثانيوس
رفع الاخر حاجبه الايسر لها لسبب قدومها لتعبس ناقلة بصرها بحدة بينهم
" أعتذر عن المقاطعة ولكني لستُ بأسفة كلياً لان زوجة الحاكم لا تحتاج الى إذنٍ للدخول"،
اردفت مشددة على كلامها لتسحب كرسياً جالسة بجانب أثانيوس الذي إستغرب من كلامها ،فمنذ متى أصبحت سليطة لسانٍ هكذا !!
لتنظر بحدة الى الفتاة فهي لم يخفى عليها نظراتها التي كادت تأكل أثانيوس ، ربما الغبي الذي أمامها لم يلاحظ ذلك ولكنها لاحظت فهي فتاةٌ في نهاية المطاف وتفهم ما يدور في عقول البقية
" هل هي موعودتك؟"،
هز الاخر رأسه يالايجاب بينما بصره معلق على ڤيولا
محاولاً فهم تغيرها المفاجئ !!
بينما إكتفت الاخرى بتوجيه النظرات الحادة
الى الاخرى ناقلة بصرها طولياً من الاسفل الى الاعلى
أكملت آنيا كلامها بأنزعاج لتواجد هذه الصغيرة هنا
لتهمس بغيض إستطاع أثانيوس سماعه لجلوسها بجانبه
" ليست جميلة "،
" حسناً آنيا ،سأتي للمقاطعة وأرى هذه المجموعة
بنفسي "، همهمت الاخرى بأنزعاج لتنهض منحنية
إليه
بينما أكتفت ڤيولا بطرق أصابعها على الطاولة بخفة متكئة برأسها على يدها الاخرى وكأنها تخبرها بأن لا تتعدى حدودها
خرجت آنيا من المكتب لتغلق الباب من خلفها
" حمقاء"،
اردفت ڤيولا بصوتٍ مسموع ، ليحل الصمت داخل المكتب ،نظرت الى الاعلى حيث جلوس الاخر بجانبها لتجده ينظر لها بأستفهام
" ماذا ؟ لماذا تنظر إلي هكذا !"،
هز أثانيوس بعدم فهم لمقتها المفاجئ للفتاة
" عساهُ خيرٌ ، ما سبب تصرفاتك الغريبة ؟"،
ضحكت بسخرية هازة رأسها فبالطبع لن يلاحظ
" هل.. هل سخرتي مني للتو ؟"،
اردف بعدم تصديق لتنفي الاخرى برأسها زامة شفتيها
فهي لن تنجو في كل مرة تتواقح فيهِ معه
" بلى بلى فعلتِ ذلك"،
نهضت من على الكرسي بسرعة محاولة الهروب ولكن سحبها الاخر من عضدها معيداً إياها لمكانها حيثما تجلس
" لماذا تحاسبني الان على شيءٌ لم أفعله ! ألا ينبغي علي محاسبتك أنا !"،
إتكئ الاخر برأسه على يده فمن ضربها على رأسها لتتغير هكذا فجأة !
" محاسبتي !؟ ،عذراً ولماذا هذا الان "،
عقدت كلتا يداها الى صدرها بسخط
" لقد كانت تأكلك بنظراتها وأنت جالسٌ هنا تطالع أوراقك الغبية"،
زم أثانيوس شفتيه قائلاً بأستغراب وتلاعب
" أأسمي هذه غيرة ؟" ،
أطلقت الاخرى ضحكة صاخبة مشيرة على نفسها
بينما تنظر له بعدم تصديق
" ولماذا سأغار عليك ! يا لكَ من مضحك" ،
قهقه الاخر بخفة ملاحظٍ تخبطاتها في كلامها وحدقتيها الغير ثابتتين دلالة على كذبها
سحبها من يدها جاعلاً إياها تتوسط حجره
مُمسداً على وجنتها بأبهاهمه ليقبل وجنتها بخفة
" أنتِ تعلمين إني لا أتقبل الاخريات ، فلو لا وجودك لما أصبحت هنالك فتاةٌ في حياتي"،
إبتسمت الاخرى بصدق لتردف مادة يدها نحو أزرار قميصه ملاعبة بهم بينما تأرجح أقدامها التي لم تلامسا الارض قائلة
" إذن هل ستأخذني الى مكان ليلة أمس !"،
إنمحت إبتسامة الاخر مبعدٍ إياها عنه
" لدي أعمال لاكملها ولن نعود الى ذلك المكان مجدداً لا تحاولي"، طبطبت الاخرى بأقدامها على الارض بأعتراض
نظرت إليه متجاهلٌ إياها كلياً بينما تركيزه منصب على الارواق لتخرج من الجناح عازمة على الذهاب بمفردها
يتبع...
