" هاتو الذين لمحوا شيئاً في عيني ما نطقوا مواساة ولا سألوا ،بل ضحكوا لاجل قلبي وأضحكوه ،ونسوا ما رأوا"
رواية قاع الظلام - الفصل 34
" أخبر موعودتك بأن تخرج من غرفتي والان "، وقف بوسادين أمام أثانيوس الذي كان يجلس في الشرفة بهدوء مغمضٌ عيناه ،سانداً رأسه على حافة الكرسي ،غير عابئ بصراخ بوسادين أو حتى الكلمات النابية التي تخرج من فاهه
بينما يطرق بأصابعه على الطاولة بخفة ،حيث إستفزت حركته الاخر الذي كان يستشيط غضباً لهدوءه الغير مفهوم !!
ألا يجب عليه الآن تحطيم الغرفة وإخراجها منها فلماذا يجلس بهدوء هكذا !!
" لماذا أنت هادئٌ هكذا !" ، زفر أنفاسه بحنق لثرثرته المستمرة وكأنه إمرأة كهلة في آخر أيامها
ليفتح حدقتيه المتميزتين بلونهم الداكن ، عينان تحملان القوة والهدوء
" عد الى جناحك بوسايدن ،فنيوبي دخلت في إحدى نوبات إكتئابها"، عقف الاخر حاجبه بعدم فهم ليرفع رأسه الى السماء ماداً يده في الهواء مُتحسساً برودة الجو
ولكن يعود الى الموضوع الرئيسي كيف له أن يذهب الى غرفته وتلك الحمقاء تتوسط سريره مع موعودته الحمقاء التي طردته حالما أتى
أعاد الاخر رأسه الى الخلف مستند به على حافة الكرسي ليغمض عيناه مرة أخرى بلامبالاة
ليسمع الاثنان صوت فتح باب الجناح ،
إبتسم أثانيوس بجانبيه بينما ما زال غالق عيناه
وكأنه متأكدٍ من عودتها ، نقل الاخر بصره بين أثانيوس بهدوءه المستفز وبين ڤيولا التي كانت تقف أمامهم ناكسة رأسها الى الاسفل
" فلتذهب الى جناحك ،ألم تكن هذا ما تريده"، اتاه صوت أثانيوس البارد ليهز رأسه بالايجاب تاركاً إياهم بمفردهم
" وها قد أتت الهاربة "،
نظرت إليه الاخرى زامة شفتيها بعدم رضى لحكمه الغير عادل فهو من صرخ عليها وسط العامة
ومن لم يبدي إي اهتمامٌ لها ، وفوق ذلك قام بأرسال خادمة يهدد فيها بعدم السماح لها بالعزف على قيثارة والدته مرة اخرى ما لم تتفضل الى جناحهم
" هذا غير عادل "، دعك الاخر جبينه بحركة بطيئة ناظراً لها بحدة " وما هو العدل برأيك ؟ أأترك تسرحين وتمرحين وسط العامة ويوجد هنالك من يتربص لنا ؟،"
جلست إمامه على الكرسي بعقدة كفيها الذي لم ينفك
" وماذا عن غرفة العزف ؟، هل أستطيع الدخول إليها مجدداً" ، انهت كلامها ناظرة الى وجهه برجاء
صانعة ألطف تعبير على وجهها لاستمالته ناحيتها
بادلها الاخر النظر ببرود وهو يرى محاولاتها الفاشلة في إستمالته ليردف
" كلا لن تدخلي مجدداً" ،
انهى كلامه مبتسمٌ في وجهها لينهض واقفٌ على أقدامه لاكمال أعماله وأيضاً لكي يحل المشكلة التي بقيت متعلقة في ذلك القطاع
هرولت الاخرى خلفه متعلقة بذراعه قائلة
" بحقك أثانيوس ،لماذا تفعل هذا ؟ "،
جلس الاخر أمام طاولته ساحبٍ الاوراق لانجاز أعمال المملكة تاركاً الاخرى تتذمر فوق رأسه
" أثانيوس، أنا أُكلمك"، رفعت صوتها بضجر ساحبة الاوراق من أمامه واضعة إياهم خلف ظهرها مانعة إياه من إكمال أعماله ، زفر الاخر بسخط
" ڤيولا ، أعطني الاوراق"، انهى كلامه بصرامة راسمٌ تعابير باردة وحادة على وجهه، هزت الاخرى كتفيها بأعتراض فغرفة العزف بالنسبة لها المنفذ الوحيد للخروج من روتينها المعتاد في القصر
فلماذا سيعاقبها بأحب شيءٌ على قلبها !
" ڤيولا لن أُكرر كلامي" ،
زمت الاخرى شفتيها لتخرج يدها من خلف ظهرها
واضعة الاوراق على الطاولة تزامناً مع سماعهم لصوت طرقات خفيفة على الباب
عبست هي لتسير جالسة على الكرسي البعيد عنهُ نسبياً ، ليردف أثانيوس بينما بصره ما زال مسلط عليها
" أدخل"،
دلف كلاديوس الى الداخل لينحني بجذعه العلوي قائلاً " عقد أعضاء المجلس إجتماعٌ الان" ،
رفع أثانيوس رأسه من على الاوراق فهم لم يخبروه بأي اجتماع سيعقد اليوم
فلماذا سيقيمون إجتماعٌ طارئٍ الان !
" عساه ،خيراً ،لماذا الان في هذا الوقت المتأخر"،هز الاخر كتفه بعدم معرفة فهو الاخر قد إستغرب من ذلك فبعد ذهابه الى غرفته لكي يأخذ قسطٍ من الراحة وأيضاً لاشباع عيناه من زوجته ليأتيه خبر عقد الاجتماع
" حسناً ،إذهب سأتي من خلفك" ،
انهى كلامه ليخرج كلاديوس بينما وقف أثانيوس
على أقدامه معيداً الاوراق الى مكانها لكي لا تعبث الصغيرة بهم
نظر بأتجاهها محاولاً فهم ما تفكر بهِ
" ماذا ؟، لماذا تنظر إلي هكذا !"،
تململت في جلستها بغير إرتياح ليتمتم الاخر بصوتٍ منخفض هازاً رأسه الى اليمين واليسار
" لن تجلس في مكانٌ واحد لفترة طويلة ،ستفتعل مصيبة أخرى.. أعلم ذلك" زمت الاخرى شفتيها لعدم سماعها لتمتمته فهو يبدو كالمجنون وهو يحدث نفسه هكذا
" سأخرج لبضع الوقت ،سأغلق الباب من الخارج..
كل ما ستفعليه هو الجلوس في مكانٌ واحد لاطول فترة ممكنة "، اردف موجهاً سبابته ناحيتها ليسير بأتجاه الباب
وضع يده على مقبض الباب ليقف وكأنه تذكر شيئاً ليستدير مرة اخرى قائلاً
" وهنالك عاصفة ثلجية قادمة بأتجاه المملكة ،بما إن قلب العاصفة يمكث لدينا في القصر"، انهى كلامه ليخرج من الجناح ولم يفسح المجال لها للرد
فهو يعلم العدو لا الطبيعي لها هو الجو القارص البرودة ، أغلق الباب مُديراً المفتاح في القفل لكي يتأكد من عدم خروجها وبهذا سيتلافى أي مشكلة تفتعلها
....
في الوقت الذي كان يوروتاس يجلس فيه على أعالي الشجر ، دلفت تلك الفتاة مجدداً الى الغابة بهدف البحث عن منقذها وربما التعرف عليه فأختفاءه هكذا فجأة أثار فضولها
نقلت بصرها في الارجاء بسرعة فهي قد تسللت من المنزل بعدما منعتها والدتها من الخروج في هذا الوقت المتأخر ،
دعكت ذراعها بيدها لبرودة الجو المفاجئة ، بينما لا ترى أمامها سوى الاشجار المرتفعة وضوء القمر العاكس على أوراق الاشجار لينعكس ظلهم على الارض
" أين سأجد ذلك الاحمق ؟!"، تمتمت بخفوت
،هزت رأسها لفكرتها الحمقاء بدخولها للغابة ليلاً فالجميع يعلم جيداً بأن الكائنات التي قام الحاكم السابق بنفيهم يعيشون داخل هذه الادغال متخذين منها مسكناً لهم
وأيضا لم يخفى عليها بأنها كائنات عدائية لمن يتسلل خفية الى أراضيهم ولكنها لم تقابل واحدٌ منهم من قبل ولهذا الامر كالشائعة بالنسبة لها
والشائعات محتملة التكذيب ما لم تثبت مصداقيتها
عادت أدراجها الى الخلف بغية الخروج من المكان والعودة مجدداً في الصباح ولكن إستوقفها صوت أحدهم
" ماذا تفعلين في أراضينا في هذا الوقت المتأخر ؟"، صوتٌ غريب مُتخلل بصوتي إنسان وحيوانٌ في ذات الوقت لا تعرف كيف تصفه ولكنها متأكدة بأنه ليس ذات الشخص الذي أنقذها
إستدارت الى مصدر الصوت لتجد رجلٌ بجسد حصان يقف خلفها بمسافة لا بأس بها مُمسكٌ برمحٌ طويل في يده
ليجذب بصرها تجمع بعضٍ من أبناء جنسه خلفه
موجهين نظراتهم الحارقة لها وكأنهم سينتزعون روحها عن جسدها بعد قليل
ومن يلومهم فهم كائنات تحاول البقاء على قيد الحياة والعيش فهم لم يكرروا خطأ ماضيهم بسماحهم للجميع بالسير في أراضيهم كما يشاؤوا ليطمع الحاكم السابق في أراضيهم
متخذاً أشكالهم المناقضة لجنسهم عذراً لنفيهم
للاستيلاء على أراضيهم ،
عادت الى الخلف خطوتين بخوف لتردف بتأتأة وتلعثم واضح
" لم أكن.. أفعل شيئاً، سأغادر... الان"،
إستدارت بسرعة بغية المغادرة بأسرع وقت لاعنة ذاتها في سرها
" لا تتحركِ وقفي في مكانك... هل تظنين بأن الدخول والخروج سهلٌ هكذا !"،
إستدارت لهم مجدداً بعينان خائفتيان وحدقتي ترتجفان رعباً من منظرهم المخيف فبعد نفيهم أصبحوا كائنات عدائية ليست كما في السابق ولكن بعد تعيين أثانيوس كحاكم
اول شي قام به هو إعادتهم الى مساكنهم ولكن هذا لم يشفع لهم لاعادة الثقة مجدداً فيما بينهم
" أنا آسفة.."،
تمتمت تزامناً مع عودتها الى الخلف بخطى بطيئة
ليصطدم ظهرها بجذع شجره..
كلا إنه ليس جذع شجره !
" ماذا يحدث هنا ؟ أوتاس !" ،
إستدارت حالما وجدت رجلٌ بعينان مختلفتي اللون جذبتا إنتباهها ، وأثار حروقٍ قديمة تغزو جانب فكه ورقبته ،
" تسللت هذه الفتاة الى داخل أراضينا.."، قاطعه الاخر محدثاً إياه بصرامة فهو يتفهم خوفهم على أحباءهم وعوائلهم من الغرباء ولكن هذا لا يعني محاسبة كل دخيل فالامر بات يتطور
" كحارس للغابة لا أجد هناك خطراً يُهدد سلامتكم وانتم تعلمون هذا جيداً ،فلو كان هنالك خطراً يهدد أمنكم لكان الحاكم هنا قبل معرفتكم بالامر.. أليس كذلك!"،
صمت أوتاس فهو محق في نهاية المطاف ،فالحاكم أثانيوس لم يقصر معهم في شيء بل أعاد منازلهم وولاهم إهتمامٌ أكثر من السابق
هزت الفتاة رأسها بالايجاب موافقة على كلام الرجل الذي خلفها ناظرة الى الكائنات الذي أمامها بتحدي وكأنها تخبرهم بأن يعترضوا على كلامه
أخفض يوروتاس بصره الى الفتاة الذي إمامه فأي مجنون يدخل الغابة ليلاً من دون معرفة خبايا المكان
ليكمل بينما بصره معلق على ظهرها من الخلف
" ولكن هذا لا يمنع من معاقبة المتسلل "،
إستدارت الاخرى له بعينان متسعتين فلوهلة ظنت بأنهُ سيساعدها
إبتسم أوتاس بخفة فيوروتاس صديقٌ قديمٌ لهم كونه يعيش داخل الغابة معهم وسابقاً كان السبب في إبعاد الخطر عنهم في كل مرة يرى فيها حركة غريبة
داخل المكان
" سأدعك تتولى أمرها"، انهى كلامه ليغادر أوتاس مع أصدقاءه حيث مهاجعهم
" ما الذي تفعله بحق السماء!"،
بادلها الاخر النظرات ببرود ليردف بسخرية
" بصفتي الحارس لهذا المكان أمنعك منعاً باتاً من الدخول إلى الغابة مجدداً وسأخبر حرس الحدود بأمرك يا..." ،
توقف حالما تذكر بأنه لا يعرف إسمها وبهذا لن يستطيع تقديم بلاغ عليها لمنعها من الدخول مجدداً فبات الامر يرهقه على الرغم من تغيير روتينه الممل بتدخلاتها المستمرة
" تينيا.. اسمي تينيا"، إبتسمت بأتساع مادة يدها للمصافحة ، رفع الاخر حاجبه لغباءها فكيف لها ان تعطيه إسمها وهو على وشك تقديم بلاغ بحقها
" غادرِ المكان تينيا، سأخبر حرس الحدود بعدم السماح لكِ بالدخول مجدداً" ، أنهى كلامه مُمسكٌ بيدها جاراً إياها خلفه حتى وصلا لحدود الغابة
ليرمي إياها خارجها تماماً
" التحذير الاخير لكِ"،
انهى كلامه ليختفي من بين الاشجار تاركٌ الاخرى
تنظر إلى ظهره ببلاهة فلم ترى من قبل رجلٌ بعينان مختلفتي اللون، وما زاده وسامة بنظرها هي تلك الندوب التي على جانب فكه والحروق التي توضح ما عاشه في السابق من صراعات
....
وصل أثانيوس الى قاعة الاجتماعات حيث تواجد جميع أعضاء المجلس ،بينما شغر الحُكام مقاعدهم
بأستثناء كراجوس
جلس هو الاخر على الكرسي المخصص لهُ لينقل بصره بين الجميع من وجوه باردة وأخرى مضجرة
والاخر يتوق للعودة الى مهجعه
أغلق الحرس باب القاعة الضخم ليصدر صوتٌ قوي
ومزعج في آنٍ واحد ، دعك هيدز صدغه بحيرة لاجتماعهم المفاجئ هكذا !
ففي السابق كانوا يعلنون الاجتماع قبل عدة أيام من عقدهِ لكي يتفرغ جميع الحُكام من أشغالهم في ذلك الوقت ،
وقف أحد الاعضاء بملابسه المتكونة من عباءة سوداء طويلة تحتضن جسده بالكامل ولحيته البيضاء التي وصلت أطرافها الى صدره الهزيل نظراً لكبر سنه
" نظراً للمشوارات التي أجريناها سابقاً مع أعضاء المجلس ،وقع القرار على إخلاء كراجوس من منصبه وسحب قواه وسيتم تعيين حاكمٌ آخر بدلاً عنه" ،
صمت الرجل ناظراً الى ملامحهم واحدٌ تلو الاخر ليكمل كلامه " كل حاكمٌ يخرج عن مسار عمله سيتم إخلائه من مسؤلياته ،هكذا تنص القوانين"،
أطبق الصمت على المكان ليس وكأنهم بمعترضين ولكن سحب قوى كراجوس الان أشبه برمي الجميع الى الهاوية فكريتوس مُقبلٌ على حرب ويجب على الجميع التسلح بقواهم حتى وإن عنى ذلك إدخال كراجوس للحرب لصالحهم فهو غير محبٌ لوالده في نهاية المطاف
وبقائه معه في الفترة السابقة ليس إلا لصالحه.
" لا أعترض على ذلك ولكن ستخلون مسؤليته بعدما نجد حلاً للحرب"، إبتسم أحد الاعضا بأستهزاء على كلام هيفيسيتوس ليردف
" وما هذه الحرب ! لا توجد أي حرب هنا "،
انهى كلامه ليردف أثانيوس موجهاً بصره ناحية الرجل قائلاً
" إذن هل تظن سعي كريتوس حول الكتاب للتسلية ! ،إذا فُتحت أبواب العالم السفلي سيخرج جميع من قتلوا الاقوياء منهم والضعفاء ، بمجرد خروجهم سيتحول المكان لمجزرة.. ألا تُسمي
هذه حربٌ !"،
انهى كلامه بأستهزاء مماثل لما قاله الاخر قبل قليل
" أوافق على كلام هيفيسيتوس "،
رد بوسادين رافعٌ يده ليليه أثانيوس ضامٌ صوته الى الاخرين ، قلب هيدز عيناه بملل فهؤلاء الأوغاد محقين سحب قوى كراجوس الان ليس بالامر الجيد
" أنا أيضا "،اردفت نيوبي ببرود هي الاخرى، حل الصمت داخل القاعة ليردف هيدز قائلاً بفضول
" على أي حال ،من هو المُرشح الجديد !"،
أشار الرجل الى الحارس الذي يقف بجانب البوابة ليومئ الاخر بالايجاب فاتحٌ الباب على مصرعيه
ليخرج من القاعة ، لم تمر سوى بضع دقائق ليستمع الجميع الى وقع أحذية على بلاط القاعة ،
رفع أثانيوس رأسه ليقع بصره على شابٌ في مقتبل عمره ببنية جسدية لا بأس لها ولكن لا تضاهيهم في ذات الوقت
بملابس مُهندمة ووجه حاد يشوبه الفراغ حيث لا تعبير معين على محياه ، وكأنهم بحاجة الى لعينٌ آخر !!
وقف في منتصف القاعة فبالنسبة لرجلٌ عادي من دون قوى معينة بملامح وجه حادة ويحيط بهِ جميع الحكام والاعضاء ذوي المناصب العالية فبالتأكيد ستُحسب هذه النقطة لصالحه نظراً لملامحه الغير مبالية حيث لم يرسم على محياه تعبيراً للرهبة أو الخوف
" أُدعى آلفيوس تشرفت بلقائكم"، نطق بصوته الاجش ليحل الصمت داخل القاعة مرة اخرى ،
" إذا جمدتكَ وجعلت هيدز يُحطمك بمطرقته ومن ثم سيرميك بوسادين في أعماق البحار ، هل ستنجو؟" ،
اردفت نيوبي ببرود شابكة كلتا يداها ببعضها البعض تاركة خُصلات شعرها البيضاء مُنسدلة على كتفها كعادتها ، ناظرة بحدقتيها الخاليتين من أي تعبير يُحيط بهما أسوارٌ من الرموش البيضاء
ولى آلفيوس إنتباهه إليها ليردف ببرود هو الاخر
" كلا"، إبتسمت بخفة حالما سمعت جوابه لتقول
" لو أجبت بنعم ،سأكون أول المُعارضين لوجودك هنا" ، هز هيفيسيتوس رأسه بضجر لهذا الاختبار الغبي التي تقوم بهِ كلما أشرفوا على تعين أحدهم لمنصبٌ مهم
....
إنتهى الاجتماع ليخرج الجميع من القاعة ،
إتجه بوسادين الى جناحه بأسرع ما لديه للاطمئنان على هاڤين وإبنه
دلف الى غرفته ليجدها جالسة أمام المدفئة لبرودة الجو حاضنة بطنها بكلتا يداها ، جلس الاخر خلفها محتضناً بطنها بكلتا ذراعيه ، إنتفضت
بخوف مستديرة لهُ
" بوسادين ،هذا أنت.. لقد أخفتني"،
همهم لها واضعٌ رقبته في عنقها مُمرراً أنفه على عنقها العاجي ورائحتها الاشبه برائحة البحر ،الرطوبة
رائحة أشبه بموطنه الاصلي
" كيف حالكِ ،وأنتِ أيضاً أيها الطفلة المشاغبة" ،
انهى كلامه ماسحٌ على بطنها المنتخفة بكف يده
ليكمل كلامه خافضٌ رأسه الى مستوى بطنها
" حالما ستخرجين سأرميكِ في البحر لاعلم.."، شهقت الاخرى ضاربة رأسه بيدها بينما تنظر له بعدم تصديق بفمها المفروج
نظر بوسادين لها بغضب
" سترمي من أيها الغبي !" ، فرج الاخر شفتيه بعدم تصديق لما يسمعه فلم يسبق لاحد ضربه أو مناداته بالغبي من قبل !
" لماذا تضربيني "، انهى كلامه بسخط لتعيد هاڤين
الكرة مرة اخرى ضاربة إياه على كتفه
لتزداد عقدة حاجبي الاخر
" أأنتَ مجنون ، كيف ترمي طفلٌ في البحر ! أتريد قتله ؟ لن أسمح لك بهذا إبتعد عني" ،
تشبث الاخر بها حالما رأى إنسحابها
ليحتضن جسدها قائلاً
" سأعلمها ،من العار على حورية البحر أن لا تعرف السباحة !" ، زمت الاخرى شفتيها لحمقاته
وما أثار إستغرابها بمناداتهِ المستمرة للطفل بصيغة الانثى
" أهذا يعني إنك تريد فتاةٌ لا صبي !" ،
قهقه الاخر بخفة مقبلٌ وجنتيها
" أريدها فتاة لادللها ، الصبيان دائما ما يكونون مزعجين"،
انهى كلامه عاقفٌ حاحبيه بغيض فطفولته قضاها يهرب من قصره يتجول في البحر ويعود حالما يتأخر الوقت ليتلقى توبيخات والديه برحابة صدر
ولكن بالتأكيد لن ينجب صبي لكي يُكرر أمجاده في الطفولة
...
سار أثانيوس في الرواق المؤدي الى جناحهم بينما منشغل في النظر الى الخارج من النوافذ الموضوعة واحدة بجانب الاخرى بمسافة بعيدة نسبياً ،
حيث فُتل الثلج الناعمة وهي تهبط ببطئ من السماء على الارض بخفة وكأنه يرى عرضٌ بحركات بطيئة أمامه ،
بينما الارض التي رحبت بتجمع تكتلات الثلوج فوقها
والأشجار التي أخذت هي الاخرى على عاتقها حمل بعضً منهم ليتحول المكان الى اللون الابيض
أما السماء فكانت متلبدة بالغيوم الداكنة
حاجبة أشعة الشمس من المرور ،لتصبح المملكة داكنة اللون ببرودة جوها والهدوء الذي طغى عليها
لعودة الناس الى مساكنهم
تنهد بخفة ليخرج المفتاح الغرفة من جيبه
ليقف أمام الباب ، أغمض عيناه زافرٌ أنفاسه بقوة حالما وجد الباب مفتوح
فبحق السماء من فتحه لها !
وضع يده على مقبض الباب ليدلف ناقلٌ بصره في الارجاء ، لعن في سره فماذا سيفعل أكثر من حبسها !
كل ما يريده أن ترقد بمكانٌ واحد
أما يطلبه كثيراً ؟!
خرج من الغرفة جاراً أقدامه بتعب ، تنهد بخفة غارسٌ أصابع يده من بين خصلات شعره مُعيداً إياه الى الخلف بحركة سريعة لكظم غضبه ،
لتنسدل بعض الخصلات مرة اخرى على جبينه
....
تنهدت ڤيولا بحزن على كلام روديا وهي تقص لها ما حدث معها من إطصدام بينها وبين هيفيستيوس
لتضع يدها فوق يد الاخرى قائلة
" ألن تسامحيه !، يبدو إنه نادم وهذا واضح من كلامك فهو عاد إليك مُعتذراً " ،
نفت روديا برأسها قائلة بشرود
" الاعتذار لا يصلح شيئاً ، لو كان يفعل لما وجد أحدٌ على خلاف "،
تنهدت بحزن لا تنكر بأنها أحبته وحاولت سابقاً بكل ما لديها من طاقة إحتوائه ولكنه يرفض إقترابها منهُ خوفاً من أن يضعف وتخرج له نقطة ضعف يستخدمها أعدائه ضده
صمتت قليلا لتكمل
" الاعتذار فقط يُعيد كل تلك الامور البشعة التي تحاولين نسيانها ، ليأتي مُسببها معتذراً قالبٌ موازينك رأسٌ على عقب...
الاعتذار لا يشفي الجراح عزيزتي بل يَزيدها عمقٍ"،
إنزلقت دمعة من عين الاخرى لتمسحها بظهر يدها
وكل ما تفكر بهِ بأنه من الجيد حصولها على أثانيوس كموعود فعلى الرغم من برودة وفضاضته معها الا إنه لم يأذيها يوماً
لتلف كلتا يداها حول رقبة الاخرى محتضنة إياها
ماسحة على ظهرها بخفة لتتنهد روديا براحة غامضة عيناها وكأنها وجدت ما يريحها فوق هذا الكتف الهش
لا تصدق بأن محادثة صغيرة إستطاعت شفائها هكذا !
إبتعدت ڤيولا منها تزامناً مع وقوع بصرها على آريز الذي كان واقفٌ بجانب باب غرفته وينظر إليها بحدة
وكأنه يود الفتك بها بلحظة واحدة
" آريز.. بُني تعال الى هنا" ، إقترب الاخر بأقدامه الصغيرة حالما سمع مناداة والدته لهُ ،
" لماذا أنتَ مُستيقظ ؟" ،
مد آريز يده الى أطراف شعر والدته ملاعبٌ إياه بأصابعه قائلاً
" الجو بارد ، وأيضاً راودني كابوسٌ" ،
في الخارج حيث هيفيستيوس الذي كان يقف خلف الباب ويستمع الى كلامها بقلب مُحطم ، لا يستطيع الدخول وليس له مكانٌ آخر ينتمي إليه سواها
بينما يقف أثانيوس خلفه مُتكئٌ بظهره على الجدار الذي خلفه عاقفٌ كلتا يداه الى صدره
تنهد معتدل بوقفته ليربت على كتف الاخر ليقول بخفة " تعال لنثمل قليلاً"،
إنتفض هيفيستيوس وكأنه تعرض لقرصة عقرب قائلا
" أنا.. لم أعد أشرب منذ فترة طويلة" ،
تفهم الاخر سبب خوفه من الثمالة ليقول
" هيا يا صاح.. انا بجانبك لن تضر أحد.. لك كلمتي"، تنهد بخفة فهو بحاجة لنسيان كل شيء
ليسيرا كلاهما معاً الى غرفة المشروبات
وصلا كلاهما الى القاعة ليدلفا الى الداخل
تأفأف أثانيوس حالما وجد كراجوس جالسٌ على إحدى المقاعد ويبدو إنه غارقٌ في عالمه ممسكاً بكأس نبيذ في يده
" لابد إنها ستكون ليلة طويلة" تمتمت في سره ليتخذ كلا منهما مقعده
يتبع...
