الفصل 81
فجرٌ غابَ عنه القمر، وطيفٌ يترنحُ عبر الفناءِ الخلفي.
كان ذلك الطيفُ يجرُّ خُطاه بصعوبةٍ وكأنه عاجزٌ عن السيرِ بشكلٍ طبيعي. كانت «لي-يون»، التي تسللت خارجًا بعد أن غطَّ «كون تشاي-وو» في نومٍ عميق.
لقد صدقَ مَن قال إنَّ في نهايةِ اللذةِ لا يوجدُ سوى الألم؛ فقد كانت تشعرُ بوهنٍ في كل عضلةٍ من جسدِها، وألمٍ مضنٍ في أنوثتِها. كان شعورًا غريبًا، وكأنهُ لا يزالُ قابعًا داخلَها.
لا تزالُ تذكرُ نظراتِ عينيه، وأنينَه، وملمسَ جلدِهِ ضِدَّ جلدِها... وبمجرد أن ترخيَ دفاعاتِها لثوانٍ معدودة، يشردُ عقلُها عائدًا إلى تلك اللحظة.
تنهدت وهي تجلسُ على المقعدِ الخشبي، وهمست لنفسِها: «يا إلهي... لقد ارتكبتُ خطأً، خطأً فادحًا...»
فركت «لي-يون» وجهَها وهي تشعرُ بالإرهاق. كان «كون تشاي-وو» لا يزالُ يسيطرُ على تفكيرِها، لكنَّ ذلك لم يمنحْها السعادة، بل شعرت وكأنها لن تعرفَ طعمَ السعادةِ أبدًا، وكأنها حفرت قبرَها بيديها هذه المرة.
نظرت «لي-يون» إلى هاتفِها، وعبست حين رأت الاسمَ الظاهرَ على الشاشة: «كون كي-سيوك».
أجابَ على الاتصال من الرنةِ الأولى، كعادتِهِ دائمًا حين تتصلُ هي.
كان الغضبُ يتآكلُها؛ فهو المسؤولُ عن هذه الفوضى. الآن فقط فهمت لِمَ ضربتْها «تشو-جا» على ظهرِها حين علمت أنها نامت مع «كون تشاي-وو». كانت «تشو-جا» تخشى أن يزدادَ الأمرُ تعقيدًا إذا ما تداخلت العواطف.
استنشقت «لي-يون» نَفَسًا عميقًا، وقالت في سرِها: «كون تشاي-وو، أرجوكَ عِدني بشيءٍ واحد... ألّا تستعيدَ ذاكرتَكَ أبدًا. أبدًا».
(إذًا، لن أفعل).
أغمضت عينيها وتنهدت، ثم فتحتْهما مجددًا وقد استقرَّ في قلبِها عزمٌ مرير. كانت تمسكُ بمنديلٍ أبيض، وحين فردتْه، وجدَت خيطًا رماديًا دقيقًا كانت قد أخفتْه منذ عامين؛ خيطُ «كون تشاي-وو».
في ذلك اليومِ في الغابة، هاجمَها بهذا الخيط، ولفَّه حولَ عنقِها وكادَ يقتلها.
(هل يُستخدمُ هذا في المصانع؟ إنه دقيقٌ كأنه سلكُ ألومنيوم، لكنه صلبٌ ومرن...)
أشعلت «لي-يون» الولاعةَ وأحرقت الخيط. (سأفعلُ الشيءَ نفسَه، لن أتذكرَ ذلك اليومَ أبدًا...)
كان قلبُها يخفقُ وكأنها تقترفُ إثمًا. كان «كون تشاي-وو» فظًا أحيانًا، لكنه كان يغمرُها باللطف. لم يكن يستطيعُ حتى الاستيقاظَ إن لم تكن بجانبه، وكان ينهشُه القلقُ من أن تَهجرَه. كلُ ذلك جعلَها تتماسكُ وتشدُّ من أزرِ عزيمتِها.
ألقت بالخيطِ المشتعلِ على الأرضِ ووارَتْه بالتراب. في تلك الليلة، تخلت عن كلِ شيء...
«لي-يون، حانَ وقتُ الاستيقاظ»، قال صوتٌ لطيف.
لكنها كانت مُنهكةً للغاية، فغاصت بعمقٍ أكبر تحتَ غطائِها. استنشقت رائحةَ القهوة، وشعرت بيدٍ خشنةٍ لكنها حانية تزيحُ خصلاتِ شعرِها عن وجهِها.
فتحت عينيها بصعوبةٍ لترى صينيةً عليها قهوةٌ وشطيرة، وبجانبِها الرجلُ الذي أعدَّهما لها.
ابتسمَ بجلاءٍ وسألَها: «هل نمتِ جيدًا؟»
«آه...»
تسللت خيوطُ الشمسِ عبر الستائرِ لتضيءَ الغرفة. وبعد صمتٍ قصير، اصطبغَ وجهُ «لي-يون» باللونِ الأحمر؛ فقد شعرت بالحرجِ من رؤيته. سحبت الغطاءَ حتى غطَّى وجهَها بالكامل واختبأت بداخلِه. لم يرقْ لـ «كون تشاي-وو» محاولتُها لتجنبِ الموقف، لكنه تفهمَ أنَّ ردَّ فِعلِها هذا طبيعيٌ تمامًا.
وفقًا لـ «تشو-جا»، فإنَّ التجربةَ الأولى للمرأةِ تكونُ عبارةً عن مبالغاتٍ بنسبة 80%؛ إذ كانت تقولُ دائمًا إنَّ الرجالَ يتصرفون وكأنهم سيفعلون شيئًا مذهلاً، لينتهي الأمرُ بلا شيءٍ يُذكر. لكنَّ «لي-يون» أدركت الحقيقة؛ فقد كادت تفقدُ وعيَها من شدةِ التجربة.
(يا تشو-جا، أنا مَن لم أستطع تقديمَ أيِ شيءٍ في المقابل!)
حين استيقظت «لي-يون»، رأت أنَّ كلَّ شيءٍ قد تغير؛ فقد تمَّ تنظيفُها وإلباسُها ثيابَ نومٍ جديدة، ولم يكن لثيابِها الممزقةِ أثر، كما اختفى شرشفُ السريرِ الملطخ. كانت الغرفةُ نظيفةً ومرتبة، وكأنَّ شيئًا لم يحدث فيها بالأمس.
نظرت حولَها بارتباك، وتساءلت إن كان ما حدثَ مجردَ خيال، لكنَّ الألمَ النابضَ بين ساقيها أكدَّ لها الحقيقة. وحين أدركت أنهُ هو مَن نظفَ كلَّ شيء، بما في ذلك جسدُها، ازدادَ احمرارُ وجهِها خجلاً.
«لي-يون»، قالها وهو يسحبُ الغطاءَ عنها. كان شعرُها الأشعثُ يغطي عينيها حين انحنى نحوَها.
انطلقت الكلماتُ من فمِها فجأة: «شكرًا جزيلاً على ما حدثَ بالأمس! أنا أقدّرُ حُسنَ ضيافتِك».
انفجرَ ضاحكًا وقال وهو ينظرُ إليها بتسلية: «هذا شعورٌ غريب. أشعرُ وكأنكِ ستعطينني بعضَ المالِ لأستقلَّ تاكسي وأعودَ إلى منزلي».
«ماذا؟»
«أهذا حقًا ما تريدينَ قولَه بعد ما فعلناهُ بالأمس، يا لي-يون؟»
«آه.. لا...»
«ربما فاجأتُكِ أكثرَ مما كنتِ تتوقعين. أعتقدُ أنني كنتُ قاسيًا معكِ لأنكِ لم تحاولي لمسي ولو قليلاً». ثم ابتسمَ بخبثٍ وأضاف: «لكنني سعيدٌ لأنكِ قدرتِ (حُسنَ ضيافتي)».
فتحت «لي-يون» فمَها لتردَّ عليه، لكنَّ «كون تشاي-وو» غيرَ الموضوعَ فجأة: «هل تشعرينَ بأيِ ألم؟»
أجابت بنبرةٍ حادة، فهي لم تكن ترغبُ في التلطفِ مع رجلٍ يسخرُ منها في الصباحِ الباكر: «حسنًا، بالنظرِ إلى الطريقةِ الوحشية التي عاملتني بها ليلةَ أمس، ماذا تظن؟»
عضَّ «كون تشاي-وو» على شفتيه ليكتمَ ضحكتَه، ثم قال: «أردتُ أن أتحدثَ معكِ في أمرٍ ما».
«ما هو؟»
«بشأنِ كذبتِكِ بالأمس».
طأطأت «لي-يون» رأسَها خجلاً؛ فليس من شيمِ الزوجةِ (قانونيًا) أن تقابلَ رجالاً آخرين من وراءِ ظهرِ زوجِها. ورغم أنها لم تكن زوجتَه فعليًا، إلا أنها شعرت بالذنب، وكأنَّ والديها قد خانَا شركاءَهما. شعرت بالخزي.
قال «كون تشاي-وو»: «سأقولُ لكِ هذا مجددًا. لا يهمُّ ما تفعلينه، فلن تنجحي في اقتلاعي من حياتِكِ بهاتين اليدين الصغيرتين».
مدَّ يدَه ليلمسَ شعرَها فجفلت، وغطت وجهَها بيديها وهي تشعرُ بالاختناق.
ناداها بلطف: «لي-يون».
تمتمت بصوتٍ مرتجف: «لقد كان كلُّ ذلك خطئي. لم أكن أخططُ للأمرِ حقًا، ولم أكن أقابلُ رجالاً آخرين بالطريقةِ التي تظنها. كنتُ فقط... فضولية. أردتُ أن أرى كيف يختلفُ الرجالُ الآخرون عنك، وهل سيخفقُ قلبي لهم كما يخفقُ لك. أردتُ فقط أن أتأكد».
«...»
«لأنني حقًا...»
لم تستطع إكمالَ جملتِها، فظلَّ «كون تشاي-وو» يحدقُ فيها وهي لا تزالُ تغطي وجهَها.
تابعت بصوتٍ خافت: «أنا فقط... أنتَ مخيفٌ جدًا. أشعرُ بالخوفِ منك حين أفكرُ في الشخصِ الذي كنتَ عليه سابقًا. حين قلتَ إنك ستكونُ كلبًا مطيعًا لي، شعرتُ براحةٍ أكبر في البقاءِ معك. كنتُ أراقبُكَ دائمًا وأنت نائم...»
رفعَ «كون تشاي-وو» حاجبيه دهشةً، فأكملت بصوتٍ رقيق: «هذه هي المرةُ الأولى التي أشعرُ فيها بالانزعاجِ من شخصٍ ما إلى هذا الحد. كلُّ يومٍ يمرُّ يبدو مزعجًا بسببك».
سألها: «ماذا تقصدين؟ ولِمَ يترددُ الخجلُ على وجهِك؟ أذناكِ أصبحتا حمراوين تمامًا...»
