الفصل 82
وضع الصينية جانبًا على الطاولة الجانبية، ثم انحنى نحوها وأزاح يديها عن وجهها برفق، لكنها أشاحت بوجهها عنه وتجنبت التقاء عينيهما.
تمتمت وهي تحاول الانغمار في الغطاء مجددًا: «لم أكن أظن أن أمري سينكشف.. لا، أقصد أنني لم أكن أتخيل أن ينتهي بي المطاف هكذا».
أمسك «كون تشاي-وو» بمعصمها المرتجف وقال بهدوء: «لي-يون، انظري إليّ». هزت رأسها رفضًا.
سحب الغطاء عنها وقبّل ظهر يدها بنعومة، فجفلت، ليردف قائلًا: «إذا كنتِ ترغبين في الاختباء، فالغطاء وحده لا يكفي».
جذبها إليه وضمها بقوة، فشعرت براحة غريبة بين ذراعيه. سألها بفضول: «إذًا، كيف كانت نتيجة مقارنتي بالرجال الآخرين؟ أريد سماع النتيجة».
تلوّت «لي-يون» في حضنه وهو ينتظر بصبر، فقالت أخيرًا: «لم أفكر في أي شيء.. لقد رأيتك عبر نافذة المقهى». كانت لا تزال تذكر بوضوح وقفته هناك خارج النافذة، تحت المطر المنهمر.
همست قائلة: «أردتُ فقط العودة إلى المنزل.. معك».
شدد من ضمة ذراعيه حولها وقال: «إن كان الأمر كذلك، فلِمَ تواصلين دفعي بعيدًا؟ انظري إليّ».
التفتت «لي-يون» ونظرت إليه، فسألها: «أخبريني، هل تغير فيّ شيء؟».
بمجرد أن نظرت إليه، استحضرت كل ما حدث بالأمس؛ الطريقة التي قبّلها بها وتفاصيل تلك الليلة الجامحة.. اشتعل وجهها حمرة، ولم تقو على مجابهة نظراته. (هل يعيش الجميع حياة كهذه في الليل؟) تساءلت في سرها، فقد كانت هذه التجربة جديدة كليًا عليها.
تمتمت وهي تحدق فيه بدهشة، فقد كان سؤاله مفاجئًا. وحين أمعنت النظر، أدركت أن عينيه قد عادتا إلى طبيعتهما، واختفت منهما تلك النظرة المفترسة التي رأتها بالأمس، وكانت أزرار قميصه مغلقة بأناقة. لكن كل هذا لم يفعل شيئًا سوى تذكيرها بما كان عليه بالأمس: عاريًا ومندفعًا. احمر وجهها مجددًا وسعلت لتنقي حنجرتها: «آه.. أظن أنك أصبحت أكثر وسامة بقليل؟».
رسم «كون تشاي-وو» ابتسامة ساخرة وفتح فمه ليقول شيئًا، فغيرت كلامها بسرعة: «لا؟ إذًا.. ربما أصبحت بشرتك أفضل؟ وجهك يبدو نقيًا».
ابتسم «تشاي-وو»، وكانت نظراته حادة لدرجة أعادت ذكريات الليلة الماضية إلى ذهنها مجددًا. قال: «شكرًا على الإطراء، لكن وجهي كان نقيًا منذ استيقظت».
«إذًا؟».
خفض «كون تشاي-وو» رأسه وقبّلها، ثم لف ذراعيه حولها بإحكام فذابت بين يديه كالكريمة. قال: «لم يكن هناك أي أثر للبكاء».
أدركت حينها أن كلامه صحيح! حتى حين تسللت خارجًا عند الفجر، لم تسمع صوته وهو ينتحب! نظرت إليه بذهول، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة مشرقة.
«ماذا تظنين السبب يا لي-يون؟».
«آه.. لا أعلم».
وبينما كانت تفكر في الأمر، ابتسم وقال: «أعتقد أنني أعرف السبب».
أنهت الشطيرة والقهوة التي أعدهما لها، ثم حبست نفسها في مكتبها لساعتين كاملتين. كانت تسمع صوت «كون تشاي-وو» وهو يغسل الأطباق وينظف المنزل بالمكنسة الكهربائية.
كان يراودها الفضول لمعرفة سبب قيامه بالأعمال المنزلية، لكنها لم تملك الشجاعة الكافية للخروج ومواجهته. (يبدو أن المتعة تطرد حتى الكوابيس)، فكرت بارتياح لأن الرجل لم يقتحم مكتبها.
حكت «لي-يون» رأسها محاولةً ألا تفكر في الأمر، وقضت صباحها مختبئة في المكتب. لاحقًا، قررت العناية بحديقتها، فتسللت للخروج وبدأت في اقتلاع الأعشاب الضارة. وبينما كانت تجهز خرطوم المياه، سمعت صوتًا ينادي: «هل المديرة "سو لي-يون" هنا؟».
فُتحت بوابة مستشفى "شجرة التنوب"، ودخلت «جو دونغ-مي» وهي ترتدي سترة فضفاضة، وابتسمت حين التقت عيناها بعيني «لي-يون». نادتها بمرح وجرأة: «أهلاً بكِ!». كانت نبرتها تجمع بين النضج والعبث، والاحترام والصخب في آن واحد.
أغلقت «لي-يون» خرطوم المياه وقالت: «مرحباً، ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟».
راحت «جو دونغ-مي» تتلفت حولها وكأنها تبحث عن شخص آخر، فامتعض وجه «لي-يون». سألتها «دونغ-مي»: «ألم يأتِ ذلك الموظف بعد؟».
«إنه بالداخل، ولكن لِمَ..؟».
ابتسمت «جو دونغ-مي» بإشراق وقالت: «أردتُ أن أقول له شيئاً ما».
قبضت «لي-يون» على الخرطوم بقوة، فسألتها الأخرى وهي تحك رأسها: «هل تسمحين لي بالدخول والتحدث معه للحظة؟ سأقول لكِ الحقيقة، لقد أعجبني وأود أن—».
تصلبت ملامح «لي-يون» وقاطعتها قائلة: «آنسة جو دونغ-مي، في الواقع هناك شيء يجب أن أخبركِ به».
أسقطت الخرطوم ومسحت يديها في بنطالها. كان قول الحقيقة أمرًا مخيفًا لـ «لي-يون»؛ فقد اعتادت دائمًا على إخفاء الحقائق.. حقيقة والديها، والعائلة التي عاشت معها، وحتى حقيقة ولادتها. لم يسبق لها أن تفاعلت مع أي شخص لدرجة تسمح لها بالتحدث بصدق، لكنها اليوم أرادت قول الحقيقة؛ فهي لم ترغب في التفريط في شيء تعتز به بهذه السهولة.
أرادت أن تثبت موقفها، وإلا سيعاملها الجميع مثل أقاربها الذين أرادوا دائمًا تدمير حياتها بسلب كل ما تملك.
قالت بوضوح: «إنه ليس موظفاً عندي في الحقيقة، بل هو...».
اتسعت عينا «جو دونغ-مي» وقالت بدهشة: «ليس موظفاً هنا؟!».
جفلت «لي-يون» حين اقتربت منها «دونغ-مي» بحماس مفرط يصعب التعامل معه. تابعت «لي-يون»: «نعم، ليس موظفاً، بل هو فتاي الـ—».
قاطعتها «جو دونغ-مي» بلهفة: «فتاكِ المدلل؟».
صُعقت «لي-يون» وقالت: «ماذا؟! لا!».
ردت «دونغ-مي» بإعجاب: «إذًا.. هو فتاكِ للتسلية.. واو!».
عجزت «لي-يون» عن الكلام تمامًا، وحدقت في «جو دونغ-مي» بذهول، لتكمل الأخيرة: «تبدين بريئة جدًا، لكنكِ مثلي تماماً! لا تقلقي، سركِ في أمان معي. من الجيد معرفة ذلك».
مدت «جو دونغ-مي» يدها للمصافحة، فصافحتها «لي-يون» وهي في حالة ذهول. تابعت «دونغ-مي» بحماس: «يجب على المرأة حقًا أن تقتني فتى أو اثنين للتسلية إن سألتِني».
(مَن هذه المرأة بحق السماء؟ إنها نسخة مصغرة من تشو-جا..) فتحت «لي-يون» فمها لترد، لكن «جو دونغ-مي» لم تمنحها الفرصة.
قالت «دونغ-مي» بوقار زائف: «من الهدر أن يتزوج المرء ويلتزم بشخص واحد. لا يجب أن تتركي الأمر يتعدى حدود جسدك».
أومأت «لي-يون» برأسها بآلية؛ فكانت هذه أغرب محادثة خاضتها في حياتها. سألتها «دونغ-مي» فجأة: «هل تشربين؟».
«لا، لا أفعل».
«واو! إذًا تفعلين ذلك وأنتِ في كامل وعيكِ؟ أنا لا أستطيع الاستمتاع دون شرب»، نظرت إليها «جو دونغ-مي» بتبجيل وأضافت: «كنت أشعر بالوحدة في هذه الجزيرة الصغيرة، فلا أحد يرغب في الاستمتاع فقط دون التزامات. لكنكِ لا تخفين الأمر! أنا أحترمكِ حقاً. أنا أشرب بكثرة، هل يمكننا الشرب معاً أحياناً؟ ونخوض حديثاً طويلاً؟».
شعرت «لي-يون» بالارتباك، فلم يسبق لأحد أن تودد إليها بهذه الطريقة. لكن في تلك اللحظة، قالت «جو دونغ-مي» شيئاً أثار حنقها بشدة:
«إذًا، هل يمكنني استعارته؟ أرجوكِ أيتها المديرة! أرجوكِ أعطني إياه!».
